الحضارة الفينيقية - الرحالة العرب
  التسجيل   التعليمـــات   قائمة الأعضاء   المجموعات الإجتماعية   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة


الرحال اللبناني كل مايتعلق بتقارير السياحة في لبنان ومناطقها ومواضيعها

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
افتراضي  الحضارة الفينيقية
كُتبَ بتاريخ: [ 30-06-2008 - 02:06 AM ]
رقم المشاركة : ( 1 )
 
نقطة على الحرف
رحال رائع
نقطة على الحرف غير متواجد حالياً
 
رقم العضوية : 219
تاريخ التسجيل : Mar 2008
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 452
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :


تاريخ الفينيقيين


ترجع نشأة المدن الفينيقية إالى الوف السنين على

الساحل المعروف في يومنا الحالي بالساحل السوري واللبناني والفلسطيني ( ساحل سوريا

الكبرى ) ودامت هذه المدن ما يقارب من خمسة و عشرين قرناَ. وعاش الفينيقيون معظم حياتهم

تحت الحكم المصري ، حيث كان الساحل الفينيقي جزء من الامبراطورية المصرية لألاف السنين

وكان الشعب الفينيقي شعب تجاري لا يملك جيش أو دولة متحدة و بلغت فينيقيا و المدن التابعة

لها ذروة مجدها التجاري في القرن الثالث عشر قبل الميلاد إذ كانت اتصالاتها البحرية تشمل

مناطق العالم القديم بأكمله وبلغت تجارتها درجة عظيمة. كان للفنيقيين أبجدية خاصة لهم وكتابة

كانت الأكثر تطوراَ في عصرها حيث تأثرت بها المناطق المجاورة وترجع أول إشارة إلى الفينيقين

في النصوص القديمة في الكتابات المصرية الفرعونية في منتصف الألف الثالث قيل الميلاد و

الحطابين نظراَ لاكتساء مناطقهم ولا سيما الجبال بالاشجار (السنديان والبلوط في سوريا)الذي

كانوا يحتطبون منه و يستخدمونه في التجارة مع دول البحر الابيض المتوسط .

. عرفت الحضارة الفينيقية عصرها الذهبي منذ سنة 500 إلى سنة 100 قبل الميلاد فقد أستمر

أزدهار عدد من المدن الفنيقية في الساحل السوري مثل صور وارواد و وطرطوس و طلاابلس الا ان

اهمها هي مدينة اوغاريت(على بعد 10 كم من مدينة اللاذقية في سوريا حاليا)والتي اكتشفت

فيها أول ابجدية في التاريخ, واستمر نفوذ الفنيقين زمناَ طويلاَ في حوض البحر الأبيض المتوسط

الشرقي, حتى ما بعد سنة 500 قبل الميلاد .


الفينيقيون سبقوا كولومبوس


ينظر المرء بإعجاب للفينيقيين و سيادتهم السلمية على العالم القديم ، ليس لهم جيوش ولا

معارك مشهورة ، وليس في تاريخهم جرائم ضد الإنسانية ، ولا مجاز ولا دماء ، إنها حضارة فريدة

تجارية تنموية أن صح ليس لها مثيل ، أورثت للبشرية الكتابة ، وعلم الفك البحار الذي تسيدوه 25

قرنا .


في دراسة (قيِِّمة) للباحثة هاينكة زودهوف ، ترجمها للعربية د. حسن عمران عنوانها ( معذرة

كولومبوس لست أول من إكتشف أمريكا ) دكرت من ضمن الحجج العلمية التي تقدمها على أن

عبور الأطلسي قد سبق كولومبوس بقرون ،عثر في أمريكا على بعض الشواهد والثار التي تدل

على أن الفينيقيون قد عبروا الأطلسي ووصلوا إلى أمريكا في العصور القديمة ، و من هذه الشواهد

العثور على آلاف القطع الأثرية للآله (بيس) تميمة صغيرة جيدا ذو ملامح قبيحة ولحية كثة يعتقد

مستوطنوا الشرق الأوسط في الأف الأولى قبل الميلاد أنه يرد الشؤم والنحس ، عثر عليها في

مقابر في جواتيمالا الآله بيس هي بالأساس آله مصرية ويقدسها الفينيقيون باعتبارهم رعايا

للفراعنه ، اللذين وظفوا مهارة الفينيقيين البحرية وخبرتهم في خوض غمار البحار ، ووجود التعويذة

بيس في القبور من طقوس الفينيقيين التى أثبتها علماء الآثار في مقابرهم في مناطق عدة من

الشرق الأوسط



أصل الفينيقيين


الفينيقيون من المجموعات الكنعانية التي استقرت في سواحل بلاد الشام (سوريا ولبنان

وفلسطين) في منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد. وتميز الفينيقيون بنشاطهم التجاري وخاصة

الملاحة حيث استولوا على كل تجارة البحر المتوسط. كما أسسوا مستعمرة تجارية لهم في

ساحل تونس ( قرطاجة ).

كما يقول الجغرافي الروماني (سترابو) Strabo أيضا و(بيربي) أن الفينيقيين انطلقوا من إقليم

البحرين (الساحل الشرقي لجزيرة العرب) نحو العراق سالكين طريق الهلال الخصيب إلى سوريا

الداخلية وبعدها إلى الساحل الشامي او ساحل سوريا الكبرى ، حيث بنوا مدنهم وانشئوا

حضاراتهم الرفيعة التي نشروها في البحر المتوسط بأسره. ويدعم هذا الرأي أيضا ما حصل بعد

اكتشاف القبور القديمة التي عثر عليها رجال الآثار في الجزيرة الكبيرة (المنامة) والتي تشبه إلى

حد بعيد يثير الدهشة النواويس الفينيقية الموجوده في صور وطرطوس . وهناك أيضا الآثار الثابتة/

ما يدل على انه قد سبق للفينيقيين أن ينشئوا لأنفسهم مستعمرات تجارية في نقاط متفرقة من

الخليج العربي.

كانت الحضارة الفينيقية عبارة عن مدن منتشرة على الشريط الساحلى الشرقي للبحر المتوسط

لها نفس التكوين و العادات و التقاليد و كانت مرتبطة ببعضها فكريا و عرقيا. لم يكن الفينيقيون

يسمون أنفسهم بهذا الإسم، بل هو اسم أطلقه عليهم اليونان. إنما كانوا يسمون بالكنعانيين

أسوة بإخوانهم سكان الداخل . يذكر أن قبل ظهور الحضارة الفينيقية كان الشاطئ الفينيقى

مسكوناَ بزمن طويل. و تشير الدراسات الأثرية إالى وجود إنساني في هذه الرقعة يعود إالى

خمسين ألف سنة, ويستدل من اكتشافات برج قنارت و مغارة أنطلياس أن الأنسان الأول في هذه

المنطقة كان من أوائل الأجناس البشرية المكتشفة في المراحل السابقة من التاريخ.


الدين


كان للفينيقيين دين واحد استمر طيلة وجودهم لم تطرأ عليه أي تغيرات بارزة إلا خلال النصف

الثاني من القرن الأول بعد الميلاد. وهذه الديانة تتلخص بتمجيد العناصر و الظواهر الطبيعية

متجسدة في آلهة متعددة منظمة داخل مجلس الآلهة لكل منها رتبته ووظائفه وفق نظامميثولوجي

معقد. ولا تربط ديانة الفينيقيين بالديانات الآسيوية القديمة و المرتكزة حول قوى الطبيعة و الخصوبة.

وكان أكبر الآلهة رتبة هو ايل وهي أنثى تلقب أيضا بأشيرة البحر, أما بعل الآلهة الثاني بعد ايل.

حيث وجد بعض التماثيل المجسدة لكلاهم في الفن الفينيقي المزدهر. فكان الفن الفينيقي يتميز

بالأنتقائية كونه متأثراَ بالحضارات المجاورة في بلاد الشام . ولم يتخذ له أسلوباَ مستقلاَ إلى في

الألف الأول قبل الميلاد حيث بدأ يتكون له طابعه الخاص و المميز و خصوصا تأثره بلون الأحمر بالذات

و تدرجاته. حيث كان معظم الفنيقيين من الحرفيين و المحبين للفن و يذكر أنه كان من المعروف

كون الفينيقي مسالم غير محب للحرب إلا للدفاع عن النفس وكان يستخدم فنونه و تجارته لشراء

السلام مع الدول المجاورة



الفينيقيون مجموعة سامية اللغة، جزء من الكنعانيين من العماليق، سكنوا سوريا قبل الميلاد. و

اشتق اسمهم من كلمة تعني اللون الأحمر باليونانية, لأشتهار مدن فينيقيا بصناعة الأرجوان, وهو

الصباغ الأحمر الضارب إلى البنفسجي المستخرج من أصداف الموركس.



الارجوان



ما معنى هذه الكلمة ؟.Phénix



معناها النخلة أو الأرجوان. أما في اللغة العربية فهي تعني : المرفهين والمتنعمين من أصل كلمة " فنق " . وكان أحد أولاد ملك صور " أجينور " يدعى " فينق ".

اشتهر الفينيقيون بصناعة الأرجوان وينسب إليهم اكتشافه. إذ أنهم لقبوا عند بعض الشعوب الغربية " بالحمر " نسبة إلى اللون الأرجواني الذي صنعوه وتاجروا به. كان للصباغ الأرجواني باع كبير في العالم اليوناني والروماني. وارتبط هذا اللون بفكرة السلطة والثراء لأنه كان لون ثياب الملوك والنبلاء والأثرياء. ويروى أنه عند ولادة طفل من أطفال الأباطرة والأثرياء كانت تكسى الجدران والأرضية بالقماش الأرجواني المستورد من فينيقيا.لذلك اشتهر القول في الغرب : " ولد في الأرجوان " , أي ولد سعيدا.

لم يغفل هوميروس ذكر هذا اللون في الإلياذة وهو يصف شخصية أندروماك بقوله : " تنسج على النول داخل منزلها العالي معطفا مبطنا ارجواني اللون وتنثر عليه رسوما مختلفة ..."

اعترفت الشعوب بأن الفينيقيين هم الذين أوجدوا الصباغ الأرجواني. أما اكتشافه فقد كان مرتبطا بأسطورة تقول أن الإله ملقارت أو ملكارت نفسه قد اكتشفه بالصدفة عند رؤيته أنف كلبه وقد اكتسب لونا أرجوانيا من"المريق" أما " ملقارت" أو " ملكارت" فهو ابن ملك صور وأخو فينق وأوربا.. MORAX وهي أصداف الأرجوان.

ذكر العالم الروماني " بليتوس الأكبر- بليني" في مؤلفه " التاريخ الطبيعي " .انه قد عثر في أطراف الموانىء الفينيقية على أكوام هائلة من الأصداف , وهي دليل قطعي على الترف والفترة الزمنية الطويلة التي عاشتها صناعة الصباغ الأرجواني في المدن الفينيقية والتي احتكروا إنتاجها طويلا, ثم بسبب الطلب المتزايد عليه أقام الفينيقيون في أماكن تواجدهم , أي في المستعمرات التجارية الغربية في حوض البحر المتوسط مناطق صناعية لاستخراج هذه المادة الثمينة.

أما كيفية استخراج اللون الأرجواني من أصداف المريق فهي تجري على الشكل التالي:

لم يكن يستخرج من كل صدفة سوى بضع قطرات من العصارة الملونة الموجودة في غدة خاصة في الصدفة. وكان الفينيقيون على دراية كبيرة بموقع هذه الغدة إذ وجدت الأصداف مثقوبة من جانب معين فقط, ولا بد أن هذا الثقب كانت تستخرج منه الغدة الثمينة مباشرة ثم تترك الخلاصة الغدية تتعفن في الشمس للحصول على الصباغ الأرجواني. ويروى أن الهواء المحيط بالمدن الفينيقية كانت تشوبه رائحة كريهة لكثرة الأصداف.

فعندما تتعرض غدة صدف المريق إلى الهواء والضوء يتحول لونها من الأبيض الشفاف إلى الأصفر ثم الأخضر ثم بعد ذلك إلى الأزرق فالأحمر البنفسجي في تدرجاته. يكفي أن نتذكر المعادلة التالية :

اللون الأرجواني = قطرات من غدة المريق + أوكسجين + ضوء

لم تكن تلك الأصداف تنقل فقط إلى المدن الفينيقية ليتم تصنيعها إنما أيضا إلى مناطق كثيرة في حوض البحر المتوسط. وقد استطاعوا لمدة طويلة كتمان هذه الصناعة واحتكار إنتاجها, مثلما حفظوا واحتكروا كذلك سرَ الخطوط الملاحية التجارية.



منذ القدم وحتّى اليوم لا تزال آراء المؤرّخين مختلفة خول معنى كلمتي كنعان وفينيقيا. ولكنّ

البعض يعتقد أنّ معنى هاتين الكلمتين هو ذو مدلولٍ واحد. فالكنعانيّن مجموعات سامیة اللغة

يمكن تتبغ آثارهم في المنطقة الممتدّة من جبل الكرمل في فلسطين جنوبًا إلى طرطوس وأرواد

في سوريا شمالاً، وهذه المنطقة عرفت باسم كنعان وربما تعني سكان المنطقة المنخفضة أي

السّواحل، وبذلك يكون أصل كلمة كنعان هو فعل "كنع" أي انخفض باللغة السامية، واسم فينيقيا

ربما من "فينيكس" حيث أطلقه اليونانيون أو المصريّن أيضاً بمعنى "سكّان المنطقة المنخفضة" كما

يعني اللون الأحمر القاتم أي "الأرجواني" أو التّمر والنّخيل.




كنعانيون


ينقسم الكنعانيّون حسب التصنيف اللغوي إلى عدّة فروع أشهرها

المؤابيّون: سكنوا شرقيّ البحر الميّت.
العبرانيون: سكنوا في فلسطين.
العمونيون: سكنوا شرق نهر الأردن
الفينيقيّون: سكنوا على سواحل البحر الأبيض المتوسّط الشّرقي "الشّاطئ السّوري".
الأموريون: سكنوا في سوريا الدّاخليّة



مدن فينيقيّة




تقع المدن الفينيقيّة على الشّاطئ الشّرقي للبحر المتوسّط وأهمّها:

أوغاريت : "رأس شمرا حاليًّا، تقع شمال مدينة اللاذقية وتعتبر من أهمّ المدن الفينيقيّة نظرًا لموقعها الجغرافي.

أرواد: وهي الجزيرة الوخيدة المأهولة على الشاطئ الشرقي للمتوسط حاليًّا.

طرابلس "تريبولي". وقد عرفت بهذا الاسم اليوناني الأصل لأنّها كانت تتألّف من 3 مدن صغيرة أو 3 أحياء خاصّة بالصّوريّين والأرواديّين والصّيدونيين.

جبيل "قديمًا جبال وبيبلوس وذلك في العهدين اليوناني والرّوماني".

بيروت "بيريت"- الدّامور- صيدا التي كانت أكبر المدن الفينيقيّة.

صور التي تعتبر من أقدم المدن الفينيقيّة، "يعود تأسيسها إلى الألف الثّالث ق.م"، وغدت منذ

أواخر الألف الثّاني ق.م من أكثر المدن الفينيقيّة صيتًا وشهرة.

هناك عدّة مدن أخرى بنوها في سوريا وفلسطين، كما لكلّ مدينة مرفآن شمالاً وجنوبًا وذلك

لتسهيل الاتصالات بين المدن.

أقامت المدن الكنعانيّة-الفينيقيّة علاقات تجاريّة وثقافيّة مع مصر وبلاد الرافدين، وهذه العلاقات كانت

تقوم على أساس المودّة. وبين تابعٍ ومتبوع، فكانت هذه المدن تؤمّن للبلاد المقيمة معها علاقات

أخشاب الأرز التي تستخدم في البناء وصناعة السّفن.



التّنظيم السّياسي



لم يمل الفينيقيّون إلى إقامة دولة قويّة على غرار البابليّين لآشوريّين والمصريّين إنّما كانوا

مقسّمين إلى عدّة دويلات-مدن، وكان التّنافس سائدًا بينها، وتعود أسباب عدم إيجاد الوحدة

السّياسيّة بينها إلى ما يلي: التّنافس التّجاري فيما بينهم وصعوبة المواصلات "جبال-غابات-أودية-

مسالك وعرة". وبالرّغم من عدم توصّل المدن الفينيقيّة إلى إيجاد الوحدة السّياسيّة، فقد كان

التّحالف أحيانًا يتمّ بين بعضها تحت زعامة إحدى المدن الكبرى بدافع الخوف من أخطار خارجيّة

كانت تهدّدها.


نظام الحكم


كان نظام الحكم عند الفينيقيّين ديمقراطيًّا فكان لكلّ مدينة حكومة خاصّة بها يترأسها حاكم أو ملك

يحكمها بالوراثة، سلطته مقيّدة، يساعده في إدارة الحكم مجلسان هما: مجلس تمثيلي "هيئة

من المشرّعين" مجلس الأشراف "الأغنياء" إضافة إلى ذلك الكهنة الذين كان لهم دورٌ كبير في إدارة

دفّة الحكم. وقد شكّلت مدن صور وجبيل وأرواد اتّحادًا اقتصاديًّا مركزه طرابلس التي كانت تعقد فيها

المؤتمرات العامّة للتّداول في الشّؤون الاقتصاديّة والمشكل المشتركة والعمل على ضبط الاستقرار

الدّاخلي كي تؤمن مصالح كلًّ منها، وقلّما كانوا يناقشون الأمور السّياسيّة.



الدّيانة



قامت الدّيانة الفينيقيّة على عبادة قوى الطّبيعة كالشّمس والقمر والأرض والسّماء والبحر والمطر

والبرق والرّعد والعواصف، وجعل الفينيقيّون لكلٍّ من الحرب والزّراعة والملاحة والصّيد إلهًا، إضافة إلى

أنّهم ألّهوا ملوكهم وأبطالهم، واعتقدوا بالتّثليث الإلهي "أب وأم وابن".




الهياكل



أقام الفينيقيّون المعابد تمجيدا لآلهتهم، وكان أشهرها معبدي أدونيس وعشتروت في مغارة

أفقا "منبع نهر إبراهيم في جبيل" وكان الهيكل يتالّف من 3 أقسام هي:

القسم الدّاخلي موضع الإله وعبادته,

القسم الخارجي وهو المعبر إلى الدّاخل.

السّاحة العامّة، وكانت مساكن الكهنة والموظّفين إلى جانبها.



تقديم الأضاحي



كان الفينيقيّون يقدّمون إلى الآلهة الضّحايا البشريّة في الأوقات العصيبة، وكان تستبدل بالحيوانات

في بعض الأحيان، التي كانت دماؤها تصبّ على الأنصاب ولحومها تحرق على المذابح، اعتقادًا

منهم أنّ دخانها يشبع الآلهة ويرضيها، وكانت الصّلوات والدّعوات والرّقص والتّرانيم تقام على يد

الكهنة.



مواسم الاحتفالات


كان لدى الفينيقيّين موسمان رئيسان هما:

موسم الفرح والبهجة والسّرور الذي كان يقام في فصل الرّبيع رمزًا لولادة الإله أدونيس من جديد.

موسم الحزن والكآبة الذي يقام في الخريف رمزًا لموت الإله، ويعود ذلك إلى قصّة أدونيس الذي

صرعه حيوانٌ بريٌّ متوحّش في غابات وادي نهر إبراهيم الذي أصبح مقدّسًا لدى الفينيقيّين، وأخذت

تتوسّل للإله موت "ملك العالم السّفلي" لإحيائه من جديد، فكان ما أرادت.


علوم الفينيقيّين وفنونهم وآدابهم



طرق الكتابة قبل اكتشاف الأبجديّة الفينيقيّة: قبل اكتشاف الأبجديّة الفينيقيّة في القرن الرّابع

عشر ق.م، كان العالم القديم يعتمد في الكتابة طرقًا مختلفة، فقد ظهرت الكتابة لأوّل مرّة في كلٍّ

من مصر وبلاد ما بين النّهرين في أوائل الألف الثّالث ق.م. وجاءت هذه الكتابات

تصويريّة "هيروغليفيّة" في مصر ومسماريّة في بلاد ما بين النّهرين، ثمّ تطوّرت كلٌّ من الكتابتين

إلى مقاطع صوتيّة ثمّ إلى الصّوت حيث وضع له شكلٌ أو حرفٌ حتّى بلغ عدد هذه الأحرف الأبجديّة

24 حرفًا في أوائل الألف الثّاني ق.م.



الأبجديّة الفينيقيّة



تعتبر الأبجديّة الفينيقيّة أهمّ المنجزات الحضاريّة وأعظم ما قدّمه الفينيقيّون من خدمات إلى العالم.

فقد عرف الفينيقيّون بتلك الكتابة المقطعيّة الصّوتيّة المصريّة التي ظلّت محصورة في مصر. وكان لا

بدّ للفينيقيّن من تطويرها ومن استنباط كتابة جديدة تتّفق ومتطلّباتهم الحياتيّة والاجتماعيّة

وخالية من التّعقيد والالتباس، وأكثر فهمًا ووضوحًا للجميع، وقد وضعوا لها القواعد إلى أن أخرجوها

كتابة أبجديّة، مؤلّفة من اثنتين وعشرين حرفًا فاستعملوها ونشروها في العالم. وكانت قد ظهرت

عدّة كتابات فينيقيّة أشهرها أبجديّة أوغاريت التي كتبت بأشكال مسماريّة "القرن الرّابع عشر ق.م

" ثمّ اندثرت مع المدينة الّتي دمّرت على يد الغزاة الآنيين الذين أتوا من اليونان، والأبجديّة

السّينائيّة "كشفت نصوصها في سيناء" التي تمثّل إحدى المحاولات التي قام بها الكنعانيّون

للانتقال من الكتابة التّصويريّة-المقطعيّة إلى الأبجديّة، وأبجديّة جبيل التي تتألّف من 22 حرفًا كانت

تكتب بالقلم والحبر على ورق البردي، من اليمين إلى اليسار، وكان الأصل الذي اشتقّت منه جميع

الأبجديّات السّاميّة الأخرى والأبجديّة اليونانيّة، ومنها اشتقّت الأبجديّات الحديثة.



علوم




كان للأبجديّة والاكتشافات الفينيقيّة، والرّحلات الجغرافيّة، والصّناعات والمستعمرات التي أنشأها

الفينيقيّون في مختلف أنحاء البحر الأبيض المتوسّط الأثر الهام في تاريخ الشّعوب القديمة عامّةً،

فقد اشتهر الفينيقيّون خاصّة "الصّوريّون" بالعلوم لا سيّما في علم الفلك والحساب الضّروريّين في

الملاحة والتّجارة، وكان القرطاجيّون أوّل من أصدر أوراق النّقد على جلود الحيوانات واستنبطوا

خطوط الطّول ودوائر العرض ووضعوها على خرائطهم لتحديد مواقع مستعمراتهم ومحطّاتهم التّجاريّة.

واكتشفوا النّجم القطبي الشّمالي لتحديد الجهات. كما ساهموا في تطوّر علم الجغرافيا نتيجة

رحلاتهم الاستكشافية حول أفريقيا وعبورهم مضيق جبل طارق، والبحار والمحيطات والتي

أكسبتهم معرفة بأحوال القارّة الأفريقيّة من حيث المناخ، والنّبات والسّكّان وأنماط معيشتهم

وعاداتهم وتقاليدهم. ويعتقد البعض بأنّ الفينيقيّين وصلوا بسفنهم إلى السّواحل البريطانيّة، وربّما

إلى القارّة الأميركيّة قبل أن يكتشفها كريستوفر كولومبوس.



فنون



جاء الفنّ الفينيقي في الألف الثّالث ق.م مقلّدًا لعدّة فنون خارجيّة، كالقبرصيّة والمسينيّة والإيجيّة

والمصريّة، والرّافديّة، إلى أن أصبح في الألف الأوّل ق.م محرّرًا من الاقتباس والتّقليد، متّخذًا طابعًا

خاصًّا به، فقد تجلّى فنّ الإتقان والخلق والإبداع عند الفينيقيّين في: الصّباغ الأرجواني الذي

استخرج من الصّدف واستخدم في صناعة الأقمشة المطرّزة الّتي نالت شهرة عظيمة في العالم

القديم. والخزف الذي تفنّنوا في صناعته، فقد شملت الكؤوس التي جاءت بشكل تماثيل راقصات،

وقوارير الطّيب بشكل تماثيل صغيرة والأبارق والزّهريّات التي زيّنت بالألوان والنّقوش الجميلة،

وصناعة النّقود والأختام التي بدت فيهما الدّقّة والإتقان، وأدوات الزّينة التي شملت "الحلى المطعّمة

بالعاج والذّهب والفضّة والحجارة الكريمة" والرّسم والنّقش على الخزف والخشب والمعادن، والنّحت

الذي تمثّل في "تيجان الأعمدة والمسلات واللوحات الجميلة التي جاءت آية من الدّقّة والجمال". أمّا

في البناء فقد تجلّت براعتهم في هندسة القصور والهياكل والسّفن التّجاريّة والحربيّة فضلاً عن

اهتمام الفينيقيّين بالغناء والموسيقى وتطويرها في الطّقوس الدّينيّة، وكان العود إحدى آلاتهم

الموسيقيّة التي استعملها شعوبٌ كثيرة.


آداب



كان لاكتشافات مدينة أوغاريت "رأس شمرا حاليًّا" سنة 1929- الأدبيّة- الدّينيّة أثرٌ هام في معرفة

التّراث الأدبي الفينيقي، فالملاحم الأدبيّة- الدّينيّة "ملحمة بعل" كارت "أقهات بن دانيال" التي

كتبت في القرن الرّابع عشر بالأبجديّة الأوغاريتيّة تعتبر انعكاسًا للنّشاط الأدبي في هذه المدينة،

إضافة إلى ذلك العديد من الألواح الحجريّة التي خطّطت بالمسماريّة والتي وُجدت في أوغاريت،

وتضمّنت علومًا وآدابًا وفنونًا وأديانًا لمختلف أنواع حضارات الشّعوب القديمة تعود إلى الإنتاج الفكري

الفينيقي، وهذا دليلٌ على عكس ما قاله المؤرّخون القدماء "اليونان- الرّومان- المصريّون- البابليّون-

الآشوريون" في كتاباتهم بأنّ الفينيقيّين شعبيٌ تجاريٌّ فقط.



الاقتصاد


الزّراعة



لم يهمل الفينيقيّون أيًا من مواردهم الاقتصاديّة، فقد أنبتوا في أرضهم كلّ ما كان بإمكانها أن

تعطيهم. ونوّعوا من الصّناعات حتّى لا يشتروا من الخارج. لكنّهم اهتمّوا بالتّجارة لأنّها المورد

الأساسي.



معطيات الطّبيعة


لم يكفِ سكّان فينيقيا ما كانت تُنتجه أرضهم من غلال. لا لأنّهم أهملوا الزّراعة، بل لآنّ مساحات

البلاد ضيّقة. ففينيقيا ساحل مستطيل، تتعاقب على شواطئه السّهول الرّسوبيّة والرّؤوس الصّخريّة.

وتغطّي الغابات جباله فلا تترك للزّراعة إلاّ قدرًا ضئيلاً من السّفوح المطلّة على المتوسّط. وتتوزّع

المزروعات في منطقتين: سهليّة تغلب فيها الخضار والحبوب والنّخيل، وجبليّة تغلب فيها الكرمة

والزّيتون. ولم يوفّر الفينيقيّون أيّ مساحة، من أيّ سعةٍ كانت، دون زراعة. لذا جدّوا في تمهيد

الجلول منعًا لانجراف الأتربة مع الأمطار والسّيول.




طرق الإنتاج



واعتمدوا في الحراثة على سكّة خشبيّة مجوّفة، تتّسع للبذار. تجرّها الثّيران أو الحمير أو الإنسان

إذا لزم الأمر. وحصدوا السّنابل بمنجل بدائيّة مربوطة إلى حجر. ودرسوا الحنطة على البيادر تحت

النّورج. وذرّوها على طبقٍ أو بالمذراة. وجمعوها في أكوارٍ لفصل الشّتاء.



الإنتاج


استبدل الفينيقيّون أغراس الزّيتون البرّي أغراسًا جديدة من الخارج. فاستعاضوا بإنتاجهم عن

الاستيراد. وافتنّوا في زراعة الرّمّان، ونقلوها إلى قرطاجة. وذاع صيت بعض الكتب الزّراعيّة في

قرطاجة فنقلت إلى اللاّتينيّة




الغابات



وكانت سببًا في إثارة أطماع جيران فينيقيا بها. وقد غطّت كلّ الجبل حتّى بدت معينًا لا يشحّ.

فأسرف الفينيقيّون في قطعها. ومصر كانت أوّل من اتّجر مع جبيل من أجل أخشابها، حتّى إذا

تضاءلت إمكانات تصدير الأخشاب من جبيل أفل نجمها. ولمّا دانت فينيقيا لسلطة الآشوريّين

والكلدانيّين والفرس، باهى هؤلاء ببناء قصورهم من خشب الأرز في لبنان. وكثيرًا ما فرضت الضّريبة

على فينيقيا خشباً.



الصّناعة



المصنوعات المعدنيّة




من بين المواد الأوّليّة المعدنيّة نذكر القصدير والنّحاس والحديد والذّهب. والقصدير استقدموه في

البدء من آسيا، من بلاد عيلام، ومن آسيا الصّغرى. ولمّا برعوا في الملاحة أتوا به من "أتْرَوْرِيَا" في

إيطاليا اليوم، ومن أسبانيا، وانتهى بهم المطاف إلى جنوبي إنكلترا (بلاد الكورنواي). والنّحاس

استوردوه من جبال أمانوس، والحديد استخرجوه محليًّا. وكفاهم من هذه المعادن كميّات ضئيلة

نظرًا للاستعمال المحدود، لتأمين حاجاتهم من السّلاح والأواني والتّماثيل والكؤوس والنّقود، الّتي

تحمل سكّتها رسم مركب فينيقي، أمّا الذّهب فقد خصّوا به الحليّ وما شابهها من الكماليّات.




الزّجاج والعاج



لم يبتكر الفينيقيّون طريقة صناعة الزّجاج، بل أخذوه عن المصريّين. ولكنّهم جعلوه شفّافًا، ونوّعوا

من أصنافه. فصنعوا منه الكؤوس والقناني وقوارير الطّيب. وافتنّت كلٌّ من صور وصيدون في تلوينه.

فأخرجتا منه الأبيض والأصفر والأحمر والأزرق. وجعلتا من صناعته فنًّا حتّى وصل الاعتداد لديهم إلى

توقيع أسمائهم على منتجاتهم الزّجاجيّة (من أمثال جَاسُون وأرْتَاس) وقد غدت الأقراط والأساور

والخواتم والعقود مرصّعة بأحجار زجاجيّة، شديدة الشّبه بالحجارة الكريمة. والكؤوس الزّجاجيّة

الفينيقيّة كان غالبًا جوائز للفائزين في المباريات الرّياضيّة والجسمانيّة لدى الإغريق. والإلياذة غنيّة

بالشّواهد على ذلك. أمّا العاج، وهو مادّة غريبة عن فينيقيا، فقد استُقدِم من الهند عن طريق ما

بين النّهرين، أو من أفريقيا عن طريق مصر. صنع منه الفينيقيّون صناديق صغيرة، وتماثيل وزخرفوها.

ووجدت أعداد ضخمة من مصنوعات العاج في النّواويس والمقابر، لأنّها كانت تودع مع الميّت.

ومعظمها موجودٌ اليوم في المتحف البريطاني.



صناعة الخزف



برع الفينيقيّون في صناعة الخزف. وصنعوا منه كميّات ضخمة من الآنية والتّماثيل الصّغيرة. ولمّا كان

اهتمامهم بالنّاحية التّجاريّة قبل كلّ شيء، لم يسهروا على إخراج تحفٍ فنّيّة، بل على إخراج آنيةٍ

رخيصة، وتماثيل مرغوبة في الأسواق. وتطوّرت صناعته حتّى جبلوا منه النّواويس. وأكثر الآنية

الخزفيّة وجدت في المقابر، إذ حوت العطور أو لوازم معينة تُدْفن مع الميّت. وبعض الآنية الّتي وجدت

في "كفر جرَّه" (بالقرب من صيدا) تدلّ على أنّهم توصّلوا إلى جعل الخزف رقيقًا متماسكًا لا بل رنّانًا.



صناعة السّفن


إنّ العامل الأساسيّ لازدهار صناعة السّفن، هو توفّر المادّة الأوّليّة، ألا وهي الخشب. واعتماد

الفينيقيّين على البحر في تنقّلاتهم وتجارتهم اضطرّهم إلى تطوير هذه الصّناعة، فانتهوا إلى

المراكب الكبيرة. وهذه تنقسم إلى فئتين: مراكب تجاريّة ومراكب حربيّة. والمركب التّجاري طويل،

يجلس في كلِّ جانبٍ منه صفٌّ أو اثنان من المقذّفين حسب حجم السّفينة. مقدّمته مرتفعة تنتهي

برأس حيوان. وفي وسطه سارٍ يحمل شراعًا. أمّا المركب الحربي فمقدّمته حادّة معدّة للصّدام.

وتحمل المراكب في مؤخّرتها عارضتين طويلتين تقومان مقام الدّفّة. وذاع صيت الأساطيل

الفينيقيّة. حتّى غدت فينيقيا قوّة بحريّة تطمع بها جميع الإمبراطوريّات المجاورة في مصر وما بين

النّهرين وفارس. وعن مراكب قرطاجة نقلت روما نماذج مراكبها فيما بعد.




ميزة الصّناعة الفينيقيّة


إذا استثنينا صناعة السّفن، نجد أنّ مُجمل المصنوعات الفينيقيّة تمتّ بصلةٍ وثيقةٍ إلى الكماليّات.

شأن الزّجاج، والصّباغ الأرجواني، والخزف والعاج. احتكروا بعضها (كالأرجوان) وضخّموا أسعاره. وحين

قصّروا حيال براعة غيرهم في المصنوعات، عمدوا إلى إخراج نماذج تجاريّة غير متقنة ولكنّها سهلة

التّصريف كالمصنوعات الخزفيّة مثلاً. ومعظم النّماذج المعتمدة لديهم كانت صغيرة الحجم، سهلة

الحمل، لا خوف من عطبها في المراكب. وهذا ما يفسّر توزّع المنتجات الفينيقيّة في كلّ أنحاء

المتوسّط، أو في البلاد الدّاخليّة التي اتّجرت معهم. وما اعتماد هذه الصّناعات وإتقانها إلاّ في سبيل

تحاشي شرائها من الخارج، لئلا يحدّ شراؤها من أرباحهم. فلم يكن الفينيقيّون صلة وصلٍ فقط، بل

غدوا المنتجين لهذه المصنوعات الكماليّة. والطّبيعة بدورها لم تكن لتهيئ فينيقيا لأيّ دورٍ صناعيّ،

وبالرّغم من ذلك استطاع الفينيقيّون أن يأتوا الكثير من المنتجات الصّناعيّة. وحتّى في تقليد

صناعات غيرهم، أضفوا على إنتاجهم مسحة من الإتقان البارع، ممّا يدلّ عليه صفاء زجاجهم

وتلوينه واستعماله مكان الحجارة الكريمة. وصناعة السّفن كانت المدى الأرحب لإبراز براعة

الفينيقيّين الصّناعيّة، إذ تضافرت لإتقانها جميع العوامل البشريّة والطّبيعيّة؛ من خشب وخبرة

ملاحيّة ومعلومات جغرافيّة وفلكيّة وملاءمة السّاحل للصّيد والسّفر.



الملاحة



نشطت الملاحة في فينيقيا نتيجة اعتباراتٍ عدّة منها: صعوبة التّنقّل البرّي، ووفرة الخشب،

وملاءمة الموقع الجغرافي بالنّسبة للعالم القديم. وعزّز الفينيقيّون ملاحتهم بنشاطات خاصّة،

كتطوير صناعة السّفن، وحسن اختيار مواقع المرافئ، وتسخير المعارف الجغرافيّة والفلكيّة، وأخيرًا

إنشاء المستعمرات لتكون أداة اتّصال.


ظروف الملاحة


جهل الفينيقيّون استعمال البوصلة. ولكنّهم اهتدوا إلى الشّمال بواسطة النّجم القطبي، وقد سمّاه

الإغريق باسمهم أي "النّجم الفينيقي". وشرعوا في التّنقّل على طول الشّاطئ، لا يغامرون في

عرض البحر، وتجنّبوا المغامرة في اللّيل حتّى لا يضيعوا. وجعلوا مدنهم محطّات تجاريّة، بين الواحدة

والأخرى مسيرة نهار. واستفادوا من الجزر المنتشرة في بحر إيجه، ورادوا جميع مناطق الأرخبيل

الإغريقي. أمّا الوصول إلى مصر في الجنوب فقد تمّ على مراحل. لازموا الشّاطئ حتّى وصلوا إلى

الدّلتا. وهكذا دواليك حتّى انتهى بهم إلى خارج المتوسّط.


الرّحلات



وزاد الكسب التّجاري من جشع الفينيقيّين. فنظّموا رحلات استكشافيّة. وكان إحداها لحساب

الفرعون "نِخَاوْ". ويخبرنا هيرودوتس بأنّ هذا الفرعون قد طلب من الفينيقيّين، حوالي عام 1600

ق.م، أن يقوموا برحلة غطّى نفقاتها، انطلقت من شواطئ البحر الأحمر. واستمرّت 3 سنوات

ودارت حول "ليبيا" والمقصود أفريقيا. وعادت عن طريق البحر المتوسّط إلى مصر. وعندما وصلت

مراكب الرّحلة العشرة غربيّ الشّاطئ الأفريقي، تمكّنت العاصفة من إحداها ففصلته عن سائر

المراكب. وحملته التيّارات المائيّة والرّياح التّجاريّة حتّى شرق البازيل (أنظر نقش بارايبا). أمّا الرّحلة

الثّانية فقد قام بها أحد مواطني قرطاجة، واسمه "حَنُّون" بتكليفٍ من مجلس الشّيوخ. والغاية من

هذه الرّحلة التّفتيش عن أسواقٍ جديدة. وقد سار "حنّون" في عكس اتّجاه رحلة "نخاو". وثمّة رحلة

ثالثة قام بها مواطن آخر من قرطاجة هو "حَمْلَكُن". فعبر مضيق جبل طارق. واستمرّ في سيره

أربعة أشهر وصل في نهايتها إلى جنوبي إنكلترا. وقد تمّت الرّحلتان القرطاجيّتان ما بين 450 و350

ق.م.


المستعمرات



في أواخر الألف الثّاني قبل الميلاد، زالت سيطرة الإيجيّين على البحر المتوسّط. فتنفّس الفينيقيّون

الصّعداء. وتوزّعت سفنهم ومن ثمّ مستعمراتهم في جميع أنحاء المتوسّط. وتشاء الأساطير أن

تنسب إلى صور أمر إنشاء كلّ المستعمرات الفينيقيّة. إنّما الواقع غير هذا.



في الحوض الشّرقي


في الحوض الشّرقي من المتوسّط، أحاط الفينيقيّون قبرص بعقدٍ من المخازن. وتصدّوا للمنافسة

الإغريقيّة التي اشتدّت خلال القرنين الرّابع والثّالث ق.م والطّمع بقبرص عائد لغناها بالنّحاس

والحجارة الكريمة، ثمّ لوفرة حبوبها وخمورها وزيتونها، ولموقعها الوسط بين عالمين. أمّا في آسيا

الصّغرى فقد اهتمّوا بمناطق كيليكيه و"طرطوس" خاصّة. ومن هنالك وصلوا إلى "رودس" المواجهة

للشّاطئ. إذّاك ازداد الخطر المحدق بهم، إذ قرّبهم من مناطق النّفوذ الإغريقيّة. وبالرّغم من ذلك

استقرّوا في "كريت" وجزر "السّيكلاد". ولكنّهم لم يتعدّوا "الدّردنيل" في إنشاء المستعمرات خشية

الابتعاد عن البلد الأم، وإن تكن قوافلهم قد وصلت إلى شواطئ البحر الأسود و"أرمينيا". وفي

الجنوب لم يكن يسيرًا إنشاء المستعمرات على حساب مناطق النّفوذ المصريّة. بل اكتفوا بإقامة

المخازن في "ممفيس"، حيث تمتّعوا بحريّة التّجارة. وأنشئوا حيًّا خاصًّا بالصّوريّين منذ القرن الثّاني

عشر قبل الميلاد، وأقاموا فيه معبدًا لعشتروت
.


في الحوض الغربي




ولمّا اشتدّت منافسة الإغريقيّين، فضّل الصّوريّون ترك المجال مفتوحًا أمام صيدون. فنقلوا مناطق

نفوذهم التّجاري إلى الحوض الغربي من المتوسّط. فاستقرّوا في "صقلية"، و"يوتيقا" (المدينة

العتيقة) في تونس اليوم، و"مالطة"، مُراعين في اختيارهم لمستعمراتهم البحريّة المركز التّجاري

والموقع الطّبيعي إنشاء المرافئ. ومن هناك انطلق الفينيقيّون إلى جنوبي "سردينيا"، والجزر

المجاورة لها "كالباليار". ومن ثمّ خطّوا نحو "ترشيش" (إسبانيا) حيث حوّلوا إحدى محطّاتهم

التّجاريّة إلى مستعمرة. ولكنّ الفينيقيّين حين ابتعدوا عن أرض كنعان، لم تعد نقطة ارتكازهم صور،

بل قرطاجة أكبر المستعمرات الفينيقيّة على الإطلاق.




قرطاجة


لم تكن قرطاجة أوّل مستعمرة أُنشئت في شمال أفريقيا، بل سبقتها مستعمرة "يوتيقا" (سنة 100

ق.م) على نهر المجرّدة، و"زارتيس" (بيزرتا).وسُمّيت قرطاجة (المدينة الحديثة) تمييزًا لها عن

جارتها "يوتيقا" (المدينة العتيقة). وقد شيّدت حوالي 814 ق.م. لتكون صلة الوصل بين صور

والمستعمرات الفينيقيّة. وقد اختار لها الصّوريّون موقعًا استراتيجيًّا بين الحوضين الشّرقي والغربي

للمتوسّط. تتّصل برًّا بالقارّة الأفريقية، وبحرًا بمختلف المحطّات والمخازن والمستعمرات الفينيقيّة

في الغرب. ولم يخطر لصور يومًا بأنّ هذه المستعمرة التي بَنَتْ، ستنافسها فيما بعد. وبرزت عظمة

قرطاجة يوم أخضع الآشوريّون فينيقيا. ولمّا هدم نبوخذ نصّر الكلداني صور البرّيّة، لم يعد لدى

الفينيقيّين مدينة تفوق قرطاجة بعظمتها. فتبنّت هذه المستعمرة العملاقة سياسة صور وصيدون

وكانت استمرارًا لهما. وسعت للتّوسّع في الحوض الغربي للمتوسّط حتّى اصطدمت بالإغريق.

فنشبت حربٌ بينهما سنة 550 ق.م واستطاعت قرطاجة أن تكسب الرّومان إلى جانبها. ولمّا تنكّر

لها الرّومان فيما بعد وتأصّل العداء قضي على قرطاجة إثر حربين عرفتا باسم الحربين البونيتين.




الطّرق التّجاريّة البرية



لم يسع الفينيقيّون أن يتاجهلوا التجارة مع بلاد "أَمُرّو"، وبلاد ما بين النّهرين، وما ورائهما من دول

وشعوب. فتشعّبت طرق القوافل في كلّ الاتّجاهات حتّى شملت بلدانًا تتّصل بفينيقيا بحرًا كمصر

وآسيا الصّغرى. وأهمّ طرقاتهم البريّة هي:


الطّرق السّاحليّة


أحدها نحو الجنوب، مرورًا بكلّ المدن الفينيقيّة وساحل فلسطين حتّى سيناء. ومن هنالك ينقسم

الطّريق إلى شعبتين: أولاهما نحو خليج العقبة وشبه الجزيرة العربيّة، حيث اشتهرت على الخليج

الفارسي مدنٌ سمّيت بالمدن الفينيقيّة. والثّانية تذهب نحو مصر والسّودان والحبشة. أمّا الطّريق

السّاحلي نحو الشّمال، فيعبر فينيقيا نحو كيليكيا. وكانت عاصمة الحثيّين "حَتّوسَه" (بوغاز كوي

اليوم) نقطة التقاء بين "الطّريق الملكي" الفارسي نحو "ساردس" عاصمة "ليديا" غربي آسيا

الصّغرى، وبين الطّريق الشّمالي نحو أرمينيا والبحر الأسود.



الطّرق الدّاخليّة



ونعني بها طريقين رئيسيّين، أوّلهما يتفرّع عن الطّريق السّاحلي الشّمالي. فيذهب من أوغاريت

نحو حماه، وحلب، و"الرُّها"، و"كركميش"، و"نِصّيبّين"، فيتّصل بوادي الفرات حتّى ما بين النّهرين، أو

يذهب من "حَرَّان" إلى "نينوى". والطّريق الثّاني يعبر جبال لبنان إلى الزّبداني فدمشق فتدمر فبلاد

ما بين النّهرين. وهذا هو الطّريق الأقصر، لكنّه الأصعب. وكلتا الجزيرة العربيّة وبلاد ما بين النّهرين

كانت الصّلة ما بين فينيقيا والهند.

وفي طرقهم البريّة هذه، كان الفينيقيّون يقيمون علاقات الودِّ مع شعوب البلدان والمناطق التي

يهبرونها. فيمكّنون أواصر التّفاهم مع القبائل، ويستعينون ببعضها كسماسرة أو مرشدين. وهذا ما

يسمح لهم بأن يقيموا المحطّات التجاريّة أو يُقيموا الأحياء الخاصّة بهم. كما تأمن قوافلها شرّ

اللصوص المهاجمين في مناطق نائية منعزلة.



السّلع التّجاريّة


لا غروَ في أن تستمرّ رحلة التّجّار الفينيقيّين بضع سنواتٍ أحيانًا. فهم متجوّلون، يعرضون على

الشّعوب مصنوعاتهم ومصنوعات غيرهم. وبلادٌ كفينيقيا لا يمكنها أن تعطي الكثير، فيما عدا

الأخشاب والزّيوت والخمور. لذلك اتّكلوا على إنتاج غيرهم يشترونه ثمّ يبيعونه. فاستوردوا الصّوف

والجلود واللّحوم من سوريا، والعسل والحبوب من فلسطين، والافاويه والتّوابل من الشّرق الأقصى،

والنّحاس من قبرص واليونان والقفقاص، والذّهب من إسبانيا، والحجارة الكريمة من مصر وسيناء،

والعطور من بلاد الرّافدين، والأبنوس والعاج من مصر والسّودان، والكتّان والقطن من مصر، والخيول

من أرمينيا.



صور









توقيع : نقطة على الحرف

كن نورا يشع في ظلام النفوس الحزينة
كن عطاءا يمد يده لكل من يحتاج كلمة صادقة منك

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 30-06-2008 - 12:01 PM ]
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
هالة
مشرفة الرحال اللبناني
رقم العضوية : 110
تاريخ التسجيل : Jan 2008
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 1,041
عدد النقاط : 10

هالة متواجد حالياً



مشكور أخ زايد على الموضوع الشامل والحضارة الفينيقية

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 30-06-2008 - 12:03 PM ]
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
راعي الشاص
ونـيـس الــــدار
رقم العضوية : 32
تاريخ التسجيل : Dec 2007
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 499
عدد النقاط : 10

راعي الشاص غير متواجد حالياً



تسلم اخوي زايد
ب ياليتك مكثر الصور
زينته التقرير بالصور الكثيرة

شاصي قوي

توقيع : راعي الشاص



يا راعي الشاصِ يَا مَا كَعْكَعَ الصَّحْبُ *** بحَوْضِ شَاصِكَ هَزَّ الأُنْسُ و الحُبُّ
حَتى هَزَزْتَ لَك التَّوقِيعَ هَزْهَزَةً *** هزت على إثرها الأعجامُ والعُرْبُ

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 30-06-2008 - 11:39 PM ]
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
نقطة على الحرف
رحال رائع
رقم العضوية : 219
تاريخ التسجيل : Mar 2008
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 452
عدد النقاط : 10

نقطة على الحرف غير متواجد حالياً



شكرا هالة على المرور الكريم

شكرا راعي الشاص على المرور الكريم

توقيع : نقطة على الحرف

كن نورا يشع في ظلام النفوس الحزينة
كن عطاءا يمد يده لكل من يحتاج كلمة صادقة منك

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 28-07-2008 - 01:57 AM ]
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عصا الترحال
عميد الكشاته والمكتشفيين
رقم العضوية : 149
تاريخ التسجيل : Feb 2008
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 3,992
عدد النقاط : 10

عصا الترحال غير متواجد حالياً



زايد
مهوب بعيدين عنا نخل ومانخل
بارك الله بك

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 24-08-2008 - 02:30 AM ]
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
نقطة على الحرف
رحال رائع
رقم العضوية : 219
تاريخ التسجيل : Mar 2008
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 452
عدد النقاط : 10

نقطة على الحرف غير متواجد حالياً



بسم الله الرحمن الرحيم

شكرا عصا الترحال مراقبنا العام على المرور الكريم

توقيع : نقطة على الحرف

كن نورا يشع في ظلام النفوس الحزينة
كن عطاءا يمد يده لكل من يحتاج كلمة صادقة منك

رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 03-03-2011 - 02:34 PM ]
 
 رقم المشاركة : ( 7 )
سارةبراهيمي
رحال جديد
رقم العضوية : 8340
تاريخ التسجيل : Mar 2011
مكان الإقامة : الجزائر
عدد المشاركات : 1
عدد النقاط : 10

سارةبراهيمي متواجد حالياً



السلام عليكم ورحمة الله وبراكاته

في الحقيقة ارد ان اشترك في هذا المنتدة بس لكوضوعك الرائع اخي الرحالة الرائع

جزاك الله خير على الموضوع




رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 04-03-2011 - 10:02 AM ]
 
 رقم المشاركة : ( 8 )
سندبـاد
مراقب عام
رقم العضوية : 40
تاريخ التسجيل : Dec 2007
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 1,718
عدد النقاط : 10

سندبـاد متواجد حالياً



موضوع قيم وذو معلومات تاريخية

الف شكر على الموضوع

توقيع : سندبـاد

وسافر ففي الأسفار خمس فوائـد
تفريـج هـم واكتسـاب معيشـةٍ....وعلـمٍ وآدابٍ وصحبـة مـاجـد

رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الحضارة, الفينيقية


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 16 ( الأعضاء 0 والزوار 16)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:33 AM.